علي محمد علي دخيل
88
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
خرجت من المدينة غدوة تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ أي تهيّئ للمؤمنين مواطن لِلْقِتالِ معناه : تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها ولا يفارقوها وذلك يوم أحد وَاللَّهُ سَمِيعٌ أي يسمع ما يقوله النبي ( ص ) عَلِيمٌ بما يضمرونه لأنهم اختلفوا فمنهم من أشار بالخروج ، ومنهم من أشار بالمقام إِذْ هَمَّتْ أي قصدت وعزمت طائِفَتانِ أي فرقتان مِنْكُمْ أي من المسلمين أَنْ تَفْشَلا أي تجبنا ، والطائفتان : هما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الأنصار وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي ناصرهما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في جميع أحوالهم وأمورهم . 123 - 126 - ثم بيّن اللّه تعالى ما فعله بهم من النصر يوم بدر فقال : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ أيها المؤمنون بِبَدْرٍ بتقوية قلوبكم ، وبما أمدكم به من الملائكة ، وبالقاء الرعب في قلوب أعدائكم وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي ضعفاء عن المقاومة ، قليلو العدد ، قليلو العدة فَاتَّقُوا اللَّهَ أي اجتنبوا معاصيه ، واعملوا بطاعته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لتقوموا بشكر نعمته إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ خطاب للنبي ( ص ) أي إذ تقول يا محمد للمؤمنين من أصحابك أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ هو اخبار بأن النبي ( ص ) قال لقومه ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم ؟ مُنْزَلِينَ أنزلهم اللّه من السماء إلى الأرض لنصرتكم بَلى تصديق للوعد ، أي يفعل كما وعدكم ويزيدكم إِنْ تَصْبِرُوا معناه : إن صبرتم على الجهاد وعلى ما أمركم اللّه تعالى وَتَتَّقُوا معاصي اللّه ، ومخالفة رسوله ( ص ) وَيَأْتُوكُمْ يعني المشركين إن رجعوا إليكم مِنْ فَوْرِهِمْ هذا معناه : من غضبهم هذا وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا ، فهو من فور الغضب وهو غليانه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ أي يعطكم مددا لكم ونصرة ، وإنما قال ذلك لأن الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يغزوا المدينة وهمّوا بالرجوع ، فأوحى اللّه إلى نبيّه ( ص ) أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم ، فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح فأخبر المشركين من مرّ برسول اللّه أنه خرج يتبعكم ، فخاف المشركون ان رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين ، واسرعوا في الذهاب إلى مكة ، وكفى اللّه المسلمين مُسَوِّمِينَ معلّمين ، كانوا أعلموا بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ أي جعل اللّه الإمداد والوعد به بشرى لكم : أي بشارة لكم لتستبشروا به وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي ولتسكن قلوبكم فلا تخافوا كثرة عدد العدو ، وقلة عددكم وَمَا النَّصْرُ أي وما المعونة إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ومعناه : أن الحاجة إلى اللّه تعالى لازمة في المعونة وإن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين في تقوية قلوبكم ، وخذلان عدوكم بضعف قلوبهم إلى غير ذلك الْعَزِيزِ أي القادر على انتقامه من الكفّار بأيدي المؤمنين الْحَكِيمِ في تدبيره . 127 - 128 - لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا معناه : أعطاكم اللّه هذا النصر ، وخصّكم به ليقطع طائفة من الذين كفروا بالأسر والقتل أَوْ يَكْبِتَهُمْ معناه : أو يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ لم ينالوا مما أملوا شيئا لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ التقدير : ليقطع طرفا منهم ، أو يكبتهم ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العذاب ، وليس لك أي ليس إليك من هذه الأربعة شيء وذلك إلى اللّه تعالى أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ معناه : يقبل توبتهم إذا تابوا كقوله : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي يعذبهم اللّه تعالى ان لم يتوبوا فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ أي مستحقون للعذاب بظلمهم .